الشيخ علي المشكيني
217
رسائل قرآنى
انتهى المرابي وتاب ورجع كان له ما سلف ممّا أخذ وأكل من الربا بواسطة معاملاته وتجاراته ، ولم يذكر حكم رأس المال في هذه الآية . وأمّا قوله وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا وقوله : فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ فظاهرهما التعرّض لخصوص القسم الأوّل والثاني من الأقسام ، أعني الربا القرضي بقسميه ، وهما اللذان كانا كثيري الابتلاء في الأزمنة السابقة وكذا في عصرنا هذا . وليس المراد بالآيتين الأمر بترك التجارات الربويّة بعد وقوع اكتسابات وتجارات كذلك وتوبة فاعلها عنها ، فإنّه لا يلائم قوله تعالى : مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا وقوله تعالى : وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أيبالنسبة إلى الأزمنة المستقبلة من حيث شمول توفيق اللَّه له وتسديده للبقاء على الطاعة . أو المراد أنّ أمر ذلك المال بيد اللَّه ، إن شاء أذهبه ومحقه فلا يستفيد به صاحبه ، أو إن شاء بارك فيه ونفع به صاحبه هذا . وقيل هنا : إنّ قوله : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ أنّه حكم عامّ وضع في مورد خاصّ ، فهو بيان لحال كلّ من خالف تكليفاً وجوبيّاً أو تحريميّاً من حقوق اللَّه أو حقوق الناس ثمّ تاب ورجع ، فإنّ له غفران ما سلف من حيث العذاب في الآخرة ، إلّاأنّ أمره من حيث قضاء بعض الواجبات أو كفّارته أو ردّ مال الغير المأخوذ غصباً أو رباء راجعٌ إلى اللَّه ، والعفو عن الإثم لا ينافي ثبوتها ؛ هذا . ولكنّ الإنصاف عدم عموم في هذا الكلام يشمل سائر المعاصي والتوبة عنها ؛ فإنّ كلمة فاء التفريعيّة في قوله : فَمَنْ جاءَهُ وظهور كلمة مَا سَلَفَ في العفو المالي تعنيان كون الحكم مربوطاً بالربا ، وأنّه لا يجب ردّ المال المأخوذ رباء . ويشهد لما ذكرناه صحيحة محمّد بن مسلم قال : دخل رجل على أبي جعفر عليه السلام من أهل خراسان قد عمل الربا حتّى كثر ماله ، ثمّ أنّه سأل الفقهاء فقالوا : ليس يُقبل منك شيء إلّاأن تردّه إلى أصحابه ، فجاء إلى أبي جعفر عليه السلام فقصّ قصّته ، فقال له أبو جعفر عليه السلام : « مخرجُك من كتاب اللَّه : فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ والموعظة التوبة » . « 1 »
--> ( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 7 ، ص 15 ، ح 68 ؛ وسائل الشيعة ، ج 18 ، ص 130 ، ح 23307 .